أكاليل الأوهام
أرى مستقبل الأيــام
أولى بمطمع من يحاول
أن يسودا
فما بلغ المقاصد غير
ساع يـردد في غد
نظراً سديـدا
(معروف الرصافي)
أبدأ مقالي هذا مذكراً إنني لا أقصد بكلامي
التجريح أو توجيه النقد
إلى
شخص بذاته أو حزب أو فكر معين. بل أبدأ بانتقاد و
مراجعة لأفكاري بعد كل ما حدث لأبناء أمتنا
العربية و شعبنا العربي في الأراضي المغتصبة و هذا
أقل ما يمكننا فعله بالوقت الحالي.
وهل إن كان حاضرنا شقيا
نسود بكون ماضينا سعيدا
(معروف الرصافي)
أولاً :
علينا أن ندرك مجتمعين أن كلنا سواسية و لا أحد
أفضل من الآخر إلا بالعمل و مراجعة العمل ليرى
أسباب الفشل أو النقص و يعمل على إزالتها و أيضاً
أن لا فئة (حزب أو شخص أو تجمع مستقلين) تمتلك
المصداقية و المشروعية في أفكارها و آرائها أكثر
من سواها تجاه المفاهيم و طرق النضال و التحرر و
المبادئ العامة. و من هنا لابد لنا من مراجعة
دائمة لأفكارنا و المفاهيم التي نتشبث بها من غير
فهم و إدراك أو إيمان بها. و أن نمارس النقد
العقلاني و الواقعي لأنفسنا(أفكارنا) ابتداء و بين
أنفسنا على نحو متبادل للتعرف على أخطاءنا و هذا
يتطلب درجة عالية من الثقافة والتقبل خاصة بيننا
كمثقفين و نخبة و سياسيين حتى نستطيع إعطاء ما هو
أفضل . وهنا لابد لنا أن نتعامل مع الغير كفولتير
صاحب المقولة الشهيرة و الذي نرددها جميعاً غير
عاملين بها و هي ((أخالفك الرأي و لكني أقاتل
دفاعاً عن حريتك في التعبير عن رأيك)) و هذا
الطريق هو من أهم الأمور التي علينا التمسك بها
حتى نتجدد و نجدد.
أما إذا كنا ندعي و نتوهم باعتبارنا نخبة مصطفاة
(مثقفة) نمثل العقل و نحتكر الحقيقة و كل ما عدانا
هم على خطأ فهذا وهم كبير وانغلاق للعقل و جمود
للفكر أي عندما نتعامل بوصفنا النخبة التي يوحى
إليها أو المثقف المتكلم باسم الجميع أي كسارتر
فهذا يعني التخلف و جماد العقل و الهزائم
المتجددة. إذ ذاك نكون أصبحنا كمثقفين و نخبة،
أعجز من أن نقوم بتنوير الناس و هدايتهم إلى طريق
التخلص من الأسر و العبودية(سواءً في الوطن العربي
بشكل عام أو الأراضي العربية المغتصبة بشكل خاص).
وأصبح من يحتاج إلى التنوير و التحرر من العقائد و
الأيديولوجيات المستهلكة و التي ولى عليها الزمن
هم المثقفون و النخبة أنفسهم. و هذا يحتاج إلى
التحرر من العصبيات الجاهلة و نقد النفس و مراجعة
الأفكار لتصحيح ما هو خطأ كحد أدنى و الاستماع إلى
النقد البناء من الآخرين بعيداً عن التزمت. وهنا
إن كان لي كمثال أو وجهة نظر,
فإن الإسلام الأصولي أو الأفكار الطوباوية لماركس
المتمثلة بالشيوعية و الاشتراكية و غيرها أصبحت في
وطننا العربي على الأقل غير مقبولة و غير قابلة
للتطبيق و التسويق بعد ما عانى المواطن العربي
الأسير من المحيط إلى الخليج العربي من تقتيل و
ترهيب و تجويع على أيدي هذه الأصوليات و الأفكار.
ثانياً:
علينا أن نعلم إن الاصطفائية التي يزعمها المثقف
مدعياً تمثيله للشعب أو الأمة ومحاولة ممارسة
الوصاية على طرق التحرر و الحقوق و القيم، أصبحت
من اللامعقول و اللامقبول، إذ إن هذه النخبوية
الاصطفائية باتت تمارس بعيداً عن الساحة أو
المسرح. و إن المثقف (المستنير) بات أقل تحركاً و
فاعلية بحكم بعده عن واقع الشعب و الأمة و
تطلعاتها. لهذا بات على المثقفين أو الذين يدعون
النضال من أجل تحرير البلاد و العباد أن يراجعوا
تزمتهم في أفكارهم و أن يعملوا على تغيير واقعهم و
تجديد أفكارهم آخذين بعين الاعتبار الواقع و تطلع
الأمة محاولين تغيير أنفسهم بعيداً عن النرجسية في
الشخصية والأفكار، حتى يستطيعوا الالتحاق و
المساهمة في التحولات و واقع المجتمع الذي يزعمون
النضال لأجله كي لا يصطدموا بهزيمة جديدة. أي لابد
لنا أن نتخلص من العصبيات الجاهلة و نحاول التغيير
و التماشي مع الواقع بما هو حق، غير متمسكين ببعض
الأوهام لابسين أكاليلها. و أن نقبل التراجع عن
تزمتنا مقابل ما هو حق و أن نتعامل مع الواقع بما
هو صالح الأمة و الشعب. و هذا يستلزم أيضاً أن لا
نحسب أنفسنا الحق و كل ما عدانا هم الباطل لأن هذا
يسبب لنا المزيد من التأخر و الهزائم، إن كنا حقا
نريد التحرر لأبناء أمتنا و شعبنا. و من هنا أحب
التذكير بأن كل الأفكار و الأيديولوجيات قابلة
للتغيير و التجديد متماشيةً مع الواقع، إلا الحق
الذي يدوم و لا يتغير كما قال العربي المرحوم
جبران خليل:(أن للبحر مد و جزر و للقمر نقص و كمال
و للزمن صيف و شتاء، أما الحق فلا يحول و لا يزول
و لا يتغير).
ثالثاً:
إن كثيراً من المثقفين المتمسكين بأفكارهم الشرقية
و الغربية و أيضاً الأصوليين من المسلمين يرون
العلة في فشلهم و أفكارهم هي بسبب الواقع لا في
أيديولوجياتهم و عقائدهم. بل يرون إن المشكلة تكمن
في الشعوب أو المجتمعات و لا يقبلون التراجع أمام
القول القائل إن المشكلة و سبب الفشل يكمن في
طريقة التعامل مع الحقائق و الواقع و في أنماط
الفهم. لذلك يسعون دائما إلى مطابقة الواقع مع
أيديولوجياتهم و أفكارهم المتأخرة و المتحجرة التي
جاءت من شعوب أو من أناس لم يعيشوا واقع شعوبنا بل
قاموا بإعطاء هذه الأفكار تماشياً مع واقع
مجتمعاتهم و ثقافتها البعيدة كل البعد عن
مجتمعاتنا. و هناك أيضاً بعض الأفكار المتخلفة
التي قاموا بدسها إلى مثقفينا مستفيدين من العواطف
الجياشة لأبناء أمتنا العربية حتى يستطيعوا التدخل
في شؤوننا، لإعطاء صورة متأخرة و إرهابية بعيدة عن
ثقافتنا أو ليستطيعوا بيع منتجاتهم التالفة و
الفاسدة علينا.
إذاً علينا أن لا نقوم بأي محاولة لقولبة و تصنيف
مجتمعنا و شعبنا حسب الأطر الضيقة و الجاهزة لتلك
الأفكار و الأيديولوجيات، لأن هذه هي الديكتاتورية
التي ندعي محاربتها. بل إحدى أبشع أنواع
الديكتاتوريات لأنها تمارس على الفكر محاولة خداع
الغير باسم الحرية و التحرر و الحقيقة أو تحت شعار
الديمقراطية و هي التي ستؤدي إلى المزيد من الفشل
و التأخر و التبعية للعدو.
فشر العالمين ذووا خمــولِ
إذا فاخرتهم ذكروا
الجدودا
و خيرُ الناس ذو حسب قديم
أقام لنفسه حسباً جديــدا
(معروف الرصافي)
فمن هنا لابد لنا من الابتكار. أي ابتكار الأفكار
و طرق التحرر من الأسر. الأسر الذي حددنا أنفسنا
بحدوده (باتساعنا فكرة أو ايدولوجية سالفة) و ذلك
بممارسة لعملنا الثقافي كمجرد مهنة أو حرفة
تعلمناها. و لتغيير هذا الواقع لابد لنا أن نتميز
بأفكارنا من خلال الواقع المجتمعي و الثقافي
لأمتنا و أن يكون لنا أداؤنا المميز بأساليبنا
المبتكرة و هذا يتطلب منا أن لا نمثل دور المثقف
الطوباوي النزيه المتوهم الاصطفائي الذي يرى نفسه
مجرداً من الأخطاء و أن الغير مشبعين بالأخطاء. بل
لابد على المثقف أن يكون منخرطاً في واقعه
متعايشاً مع الشعب محاولاً إصلاح ما هو خطأ عند
نفسه و شعبه، أي أن يكون المثقف العضوي كما وصفه
انطونيو غرامش. وهنا و بعد كل ما تقدم فإن مسؤولية
المثقف تكمن في المساهمة في تنوير وعي المجتمع لكي
يعي مهمته التاريخية و يمارس دوره في التغيير و
الثورة على الأوضاع القائمة. و ذلك يتطلب من
المثقف أن لا يقوم بإسقاط أوهامه على المجتمع. و
أيضاً يتطلب من المثقف أن يمارس دوره الفعال و
التنويري بعيداً عن النرجسية و الاصطفائية. و
أخيراً لابد لنا من قول إن القبور تبكي أمواتُها و
الأرض تنعى أحيائها، فالوقت قد حان لكي ندفن أمواتنا،
بل يمنى علينا الموت و يحيي أحيائنا.
أبو همام بن علي العربي
من بلاد الأحواز المحتلة12/03/2009
تاريخ النشر 29.3.2009 -