مولد العصيان المدني في ايران
قال السيد علي خامنئي ، المرشد الاعلى ، الولي
الفقيه ، في خطبة الجمعة ... لم يكن هادئا كعادته
، ولا مستقرا ، هدد ووعد وتوعد ملايين المعارضين ،
وقياداتهم على وجه الخصوص ، ومدح رفسنجاني رئيس
الهيأة التي تعيّن المرشد الاعلى ، قال خامنئي :
لا تنزلوا الى الشارع ، نزل الايرانيون الى الشارع
، وعمّدوا نزولهم بالدّم . وقف السيد مير حسين
موسووي شامخا في ساحة الحرية ، العالم كلّه رآه
وتتبع أقواله وأخباره . انتصبت قامات النساء على
أسطح البيوت ليلا ، ومعهم السيدة زهرة رهنفاد زوجة
المهزوم ظلما وعدوانا ، حيث ثبت ان عدد الاصوات في
صناديق الاقتراع فاق عدد الناخبين في خمسين مركز
اقليمي وبنسبة تجاوزت المئة بالمئة ... قالت زهرة
: " سنطلب الغاء الانتخابات " قالتها قبل ان يقلها
خاتمي وزوجها موسوي ، زهرة معاكسة تماما لزوجة
الناجح زورا وبهتانا والتي لا يعرفها احد .
انتصبت النسوة الطامحات الى دور أكبرفي ادارة
الدولة والمجتمع . النسوة الايرانيات ردّدن : "
اعيدوا لنا أصواتنا " ، " يسقط الديكتاتور " .
الشباب تقتلهم آلة العنف السلطوي ، يزيدون لا
ينقصون ، يطالبون بدورهم في ادارة بلادهم ... "
على الاقل لا تسرقوا أصواتنا " . علي أكبر هاشمي
رفسنجاني صامت كالجبال .
النزول وانتصاب القامات والصمت والقتل والسجون ؛
ليست في مصلحة حكم " خامنئي – نجاد " . الأخضر
والأحمر يطردان الأسود من شوارع طهران ،
الموبايلات والشبكات الاجتماعية في الانترنت ،
حققت التواصل بين الناس بعضهم بعضا ، وحققت
التواصل مع العالم والذي قطعته السلطة الطاغية
القمعية ، خرج الشارع الايراني من صمته ، ولم يعد
للقادة بقاء في مقاعدهم .
حصانة المرشد الاعلى اصبحت في دائرة الشك ! . أليس
في اللوحة شرخ لهيبة " الدينيّ – السياسيّ " والذي
حكم ايران منذ عام 1979 ؟ . هل تتعرض عصمة الوليّ
الفقيه – العماد الديني للدولة – وبالهيبة والمقدس
قبل أيّ شيىء آخر، لقسوة حكم التاريخ اذ قرّر
مسارا جديدا ؟ .
أليس وصف اعلام السلطة لملايين المعارضين
بالمشاغبين ، ووصفها للمتظاهرين بالارهابيين
والخونة دلالة على أنّ الاجماع على " الدينيّ-
السياسيّ " قد تصدّع ؟ ثمة رئيسان للجمهورية ،
خاتمي وقد حذّر من عواقب وخيمة ، ورفسنجاني ، وثمة
رئيس للوزراء موسوي متآمر عليه انتخابيا
، وثمة آيتان من آيات الله العظمى ، منتظري
الداعي الى الحداد على الجمهورية والشهداء ،
وكالبيكائي الرافض للولاية آن قبلها السيد خامنئي
، وثمة كروبي الاصلاحي الصافي ، وثمة رضائي القادم
من الحرس الايراني ..... كلّ هؤلاء مشاغبون
وارهابيون وحتى خونة وعملاء للبريطانيين ؟ ! .
الردّ عليهم يجب ان يكون ثوريا ، أي القتل او
السجن ,وأقلّ العقوبات تلقينهم درسا قاسيا بهدف
الخضوع للاستبداد " الديني والسياسي ّ !! .
الاقتصاد والسياسة اليوميان شيىء والدين شيىء آخر.
ألم يحكم التاريخ بالاعدام على أنظمة اعدمت
الملايين لتبقى ، وتحت حجة الايديولوجيا ؟ على
أنظمة لم تتوافق مع مساراته الجديدة ؛ كالشيوعية
التي اعدمت على الاقل عشرين مليونا ، وكنظام
الخمير الحمر الذي قتل ثلاثة ملايين كمبودي وقد
صنعوا من جماجمهم متاحف لفخرهم ، وكنظام
شاوشيسكوالديكتاتوري الضّال الفاسد المفسد ، ونظام
طالبان ونظام صدّام والنظام الأوكراني الذي سقط
حين زوّر الانتخابات ؟ .
هل القيادة الجماعية هي البديل ؟ ، وهذا يعني ان
لا وليّ فقيه معصوم بمثابة نائب حتى عودة المهديّ
المنتظر !
قبل التفكير في الاجابة على هذه الأسئلة يجب أن
نتذكر أنّ السيد مير حسين موسوي - المستعد
للشهادة والموت – والخاسر في الانتخابات تزويرا
محكما ؛ لم يغادر العباءة الخمينية ، ولا ينفك
ينادي أنّه ممثل شرعي للحكم الاسلامي ، حكم أعظم
آيات الله السيد الخميني ، ولكن تحت الدستور وليس
فوقه . على السيد الموسوي ان لا يتطابق مع مقولة
للامام الخميني وعليه ان يتطابق مع مقولة ثانية ،
أما اللاتطابق فيكون مع ما قاله الخميني وهو عائد
من فرنسا بأن جاء دور الفرس ليحكموا العالم
الاسلامي ، وأما التطابق فمع الثانية الضرورية
الاستمرار تاريخيا وهي : " وصيتي الى الشعب الشريف
أن يشاركوا في كلّ الانتخابات ، كلّ مكلف الرجل
والمرأة ، وكما يجب ان يصلّي يجب ان يختار مصيره
بالانتخابات "
يبقى الشك سيد الموقف من حيث النتيجة ، لدى نظام "
نجّاد – خامنئي ، ولدى المحتجين المعارضين . ومع
هذا ، لو ربحت السلطة الحاكمة الغالبة بقمعها
وبطغيانها ؛ فهي لن تقدر على نفس سياساتها السابقة
داخليا وخارجيا ؛ فثمة عصيان مدنيّ شامل ، دفن
الخوف من السلطة في قبر تجبّرها وأخطائها ، عصيان
مدنيّ شامل له ركائز سياسية واجتماعية شاملة
أيضا وعميقة في المجتمع الايراني وقد يقدر نجاد
على قمع العصيان الا أنه عاجز عن الغائه . ولو
ربح مناضلوا التغيير ؛ لن يلغوا خيار الوصول الى
القدرة النووية ولكن دون حروب . وهم ملزمون
ولعلّهم مقتنعون بتوسيع هامش حرية التعبير واحترام
ارادة الناخبين .
ما يحدث في ايران درس لا أظن أنّ المستبدين
وانصافهم وارباعهم في المنطقة قد يتعلمونه . ولو
كانوا سيتعلموه لتعلموا من اعدام شاوشيسكو وامرأته
على قارعة الطريق .
الحكم " الخامنئي – النجاديّ " مرتبك مرتعب من
الغد ، وفي محنة وفي قلق ويشرب من الخوف الذي سبق
وسقاه للايرانيين معتمدا على الحرس الثوري
والميليشيات وارهاب " العقيدة " . والشارع الذي
كان موحدا وراء شعار " الموت لامريكا " ؛ انشغل
عنه الى شعار " الموت للديكتاتور " . الشارع الذي
استمدت منه الأصولية شرعيتها ؛ انشقّ قسم كبير منه
عليها . وفقد هذا القسم الثقة بها وبرموزها .
وكانت هناك أسباب : ثمة بطالة 30 % وتضخم 28 %
وتزوير انتخابات 80% وتسلط وقتل وسجون واضطهاد
متعمد تباهوا به ضدّ المرأة . ثمة جنون في
التصريحات النجادية الخارجية وثمة عزلة دولية
اقتصادية قد ترقى الى امتناع العالم عن شراء
النفط والغاز الايرانيين ، ثمة تبذير لموارد
الدولة على المحاسيب من الفقراء ، وكأن الدولة
جمعية لاغاثة المعوزين بالصدقات ، هذا فضلا عن
السخاء الممطر على الاذرعة الخارجية ، ما يقوله
موسوي ايران اولا والايرانيون يريدون الافضل لهم
وهم من يحددونه ويضعون معاييره حول معاشهم ونمائهم
.
هل يبقى الجيش الايراني وكلّ الحرس الثوري مع
الحكم النجادي أم ثمة أفق آخر ؟ وان كان افق فقد
ينتصر موسوي والمحتجون .
هل يقدر موسوي على مواجهة تلك الاسباب التي سبق
وذكرت ؟ ، طبعا في حال انتصاره . السؤال الأخير
مبكّر قليلا .
اديب طالب – معارض سوري
26/06/2009