في مشروع أمن الخليج العربي
بقلم د. خالد المسالمة
أثناء الصراعات الإقليمية والدولية
تعمل القوى المتصارعة على تعزيز مواقع قوتها،
وتعمل على رص الصفوف وإغلاق الثغرات التي يمكن أن
ينفذ منها الطرف المعادي. ويتحين كل طرف من
الأطراف المتصارعة لاستغلال ثغرات ونقاط ضعف الطرف
الآخر والنفاذ منها لإرغامه على التنازل وفرض
الشروط عليه لتحقيق الهدف المأمول من هذا الصراع.
والسؤال الذي يتبادر للذهن أين
موقع حركة التحرر الوطني الأحوازي من معادلات حشد
القوى الجارية في المنطقة على خلفية الصراع
المحتدم بين المصالح العربية والأمن القومي العربي
والتدخلات الإيرانية المتكررة في الشؤون العربية
الداخلية، والتي وصلت إلى درجة تهديد وجود الدول،
وخلق النزاعات الطائفية والحروب الأهلية في أكثر
من منطقة عربية ؟
الوطن الأحوازي المحتل من قبل
إيران منذ عام 1925، والواقع في الطرف الشرقي
للوطن العربي، ويمتد من سواحل الخليج العربي
الشرقية إلى قمم جبال زغروس وجبال البختياري, يحتل
في كل المقاييس موقعا استراتيجياً في مجمل معادلات
الصراع العربي ـ الإيراني المحتدم في هذه الحقبة
الزمنية. فامتداد مساحة هذا القطر العربي على
أراضي سبعة محافظات في التقسيمات الإدارية
الإيرانية، وهي هرمزغان وبوشهر وخوزستان وعيلام
ولرستان و جهار محال بختيارية، كهيكيلوية وبوير
احمد ومحافطة فارس بمساحة تزيد على 324 ألف كيلو
متر مربع، تجعله أكثر البهات العربية صلابة وقدرة
على تحجيم القدرات الإيرانية وردع غطرسة حكام
إيران.
في هذا الإقليم العربي المحتل،
الأحواز، بالإضافة إلى موقعه الجغرافي الإستراتيجي
المطل على الخليج العربي، والذي يتم فيه إنتاج ما
معدله 40% إلى 50% من مجموع الدخل القومي
الإيراني. وفي إقليم الأحواز العربي المحتل تنتج
وتستهلك إيران أكثر من 70% من المواد الإسترتيجية
كالبترول والغاز والمياه الحلوة الصالحة للإستهلاك،
وكذلك الطاقة الكهربائية. أي بكلمات أخرى يعتبر
إقليم الأحواز العربي المحتل، والذي يعيش فيه
قرابة 12 مليون مواطن عربي يشكل عصب الدولة
الإيرانية. وهذا ما يعترف به بين الفينة والأخرى
بعض الساسة والقادة الإيرانيون. ومن هذه الزاوية
يبذل حكام إيران كل الجهود والأموال الطائلة لطمس
قضية هذا الشعب العربي العادلة، ويبذل حكام إيران
كل الجهود والأموال لنقل حالة الفوضى إلى الساحات
العربية عبر عملائها وحلفائها في الساحات العربية.
في زمنٍ مضى، وفي منتصف القرن
العشرين، وأثناء المرحلة العروبية التي عرفت
بالمرحلة الناصرية كانت قضية الأحواز العربية ودعم
الشعب العربي الأحوازي ومساندة حركته الوطنية جزء
أساسي من المشروع القومي الإستراتيجي العربي ،
وكانت قضية الأحواز في الحرية والإستقلال أحد
المكونات االأساسية في عملية وفي مشروع التصدي
للمشروع الإيراني في الصراع العربي ـ الفارسي و
فصوله المتعددة.
ففي مرحلة النهوض العربي ومرحلة
المشروع القومي العربي أدرجت قضية الأحواز
العربي
على جدول أعمال مؤتمر القمة العربي الأول المنعقد
في القاهرة في عام 1964. كانت قرارات القمة،
ومواقف أغلب القيادات العربية واضحة وحاسمة وداعمة
في هذه القضية.
وكان
من بين قرارات القمة العربية إدراج
قضية الشعب العربي الأحوازي التحررية العادلة في
المناهج المدرسية العربية وفي برامج أجهزة الإعلام
إلى جانب قضية فلسطين ولواء الإسكندرونة السوري
وقضية الشعب الإرتيري والمدن المغربية "سبتة" و"مليلة"
المحتلة من قبل إسبانيا. لقد أدرجت القضية
الأحوازية بالفعل بمناهج التدريس في عدد من الدول
العربية وأصبح باستطاعة طلاب المدارس في هذه الدول
التعرف على واقع هذا الشعب العربي المحتل من قبل
دولة إيران. وكانت مصر قد بادرت قبل قرار القمة
العربية بعدد من السنين في دعم جبهة تحرير عربستان
التي كان يقودها الشهداء محي الدين حميدان آل ناصر
الكعبي مع رفاقه، عيسى المذخور ودهراب شميلان
بالمال والسلاح والرجال. وكان ثوار الأحواز كما
كان ثوار الجزائر واليمن وإرتيريا دائمي التواصل
مع القيادة المصرية إبتداءاً من عام 1956 .
ففي مرحلة النهوض العربي ومرحلة
المشروع القومي العربي المشترك نالت هذه الأقاليم
العربية والشعوب العربية المحتلة، والتي
ظلت خارج إطار الجامعة العربية، أثناء المرحلة
العروبية الناصرية في حقبة الخمسينات والستينات،
بدعم الدول العربية والرعاية الرسمية والشعبية
العربيتين، وساهمت هذه العناية العربية في تعبئة
قطاعات واسعة في الأقطار العربية المحتلة والأقطار
العربية حديثة الإستقلال، مما كان له الأثر الكبير
على إبقاء هذه القضايا العربية في البلدان المحتلة
حية ومتتجددة في وعي الأجيال المتلاحقة العربية
وغير العربية، وخلق مناخات التقدم والتطور
المناسبة في الأقطار العربية حديثة الإستقلال.
لقد تبنت القمة العربية الأولى
المنعقدة في القاهرة عام 1964 وما تلتها من
مؤتمرات عربية من اتحادات جماهيرية عمالية كانت أو
فلاحية أو مؤتمرات إتحادات الطلبة العرب وصولاً
إلى القمم العربية المختلفة للقادة العرب لسنين
متتالية، قضايا الشعوب العربية العادلة، وعملت كل
حكومة من حكومات جامعة الدول العربية والمنظمات
الجماهيرية العربية على المساهمة بمشروع دعم
ومساندة أجزاء الأمة العربية التي لازالت تحت وطأة
الإحتلال الأجنبي.
كانت وسائل الدعم العربي متعددة
ومتشعبة. فقد فتحت أبواب الجامعات والمعاهد
العربية والمدارس العربية أمام الطلبة العرب من
الأرض العربية المحتلة. وساهمت الدول العربية في
صنع الكوادر العلمية والسياسية القادرة على مواجه
المستعمر، والقادرة على تعبئة طاقات الشعب وتنظيم
صفوفه. وعملت الدول العربية على توفير المناخات
المناسبة لتنظيم الأحزاب والحركات السياسية
للمشاركة في عملية التحرير والوصول إلى هدف
الإستقلال الوطني.
كثير من أحزاب ومنظمات حركات
التحرر العربية تاسست في مدينه أو عاصمة عربية من
الدول المستقلة، وعملت الحكومات العربية، ولو
باشكال متفاوتة الحجم، على تقديم الدعم المادي
للأحزاب وللحركات السياسية العربية في الأقطار
والأجزاء العربية المحتلة. وعملت الدول العربية في
الحقبة الناصرية على دعم حركات التحررالعربية
سياسياً ودبلماسيا،ً ونقلت أغلب القضايا العربية
من حالة العزلة والقيمة المحلية والإنزواء إلى
الإنفتاح على الشعوب والحركات السياسية العالمية،
وإيصالها إلى أعلى المحافل الدولية والمؤسسات
العالمية. مما أكسب حركات التحرر العربية الخبرة
والممارسة والأصدقاء في كل قارات الأرض. كثير من
القضايا العربية أصبحت بدعم الوطن العربي لها،
كجزء من مشروع الأمة القومي، الرقم الصعب في
المعادلات الدولية.
لقد انتقلت قضية شعب فلسطين من
قضية محلية، وقضية لاجئين ومخيمات إلى قضية شعب
ثائر يشرف في نضاله الجسور التاريخ العربي
والتاريخ البشري ، وأصبحت قضية شعب فلسطين قضية
عالمية عادلة حازت على تعاطف وإعتراف أغلب دول
وشعوب العالم. وانتقلت في نفس الحقبة من الزمن
قضية شعب الأحواز الأبي من قضية إيرانية داخلية
وقضية صراع عشائر وقبائل كما حاول المحتلين الفرس
تشويهه نضال هذا الشعب وتسويقه للعالم ، إلى قضية
شعب عادلة يطالب بإعادة استقلال وطنه المسلوب منذ
عام 1925. واصبحت القضية الأحوازية العادلة جزء من
إهتمامات الملايين من أبناء الوطن العربي. ومن
خلال الدعم العربي انتصرت ثورة الشعب الجزائري
واستقلت الجزائر وطرد المستعمر الفرنسي. من خلال
دعم الدول العربية لثورة الشعب الإرتيري انتصرت
الثورة وتحررت إرتيريا ونالت استقلالها. وكذلك كان
الحال في جنوب اليمن والجنوب العربي وفي بقية
أقطار المغرب العربي حيث خرج المستعمر وتحررت
الأوطان.
بعد رحيل الزعيم القومي الرئيس
جمال عبد الناصر طرأت تغيرات كبيرة على الساحة
العربية، وحدثت تحولات وتغيرات على استراتيجية
العمل العربي المشترك، حيث انفرط عقد المشروع
العربي المشترك بمكوناته المختلفة، واصبحت
استراتيجيات المصالح القطرية هي السائدة. وحلت
الرؤية السياسية الفئوية والحزبية والطائفية
الضيقة الأفق محل إستراتيجية التضامن العربي
واستراتيجية وحدة الأمة ووحدة المصير العربي.
عندما دخل الوطن العربي في مرحلة
الإقليمية السيئة الصيت في منتصف أعوام السبعينات
من القرن الماضي والتي لازالت ذيولها بادية حتى
أيامنا الحاضرة، كانت حالة فقدان الرؤية العربية
المشتركة والإستراتيجية العربية المشتركة قد أخذت
تبسط ظلها الثقيل على مستقبل الأمة، وأخذ المشروع
العربي التحرري والنهضوي يتفكك إلى حطام وأشلاء.
وبدت وكأن الساحة العربية مباحة لكل من هب ودب
ولكل طامع وعدو.
لقد انكعست هذه التغيرات الكبيرة
في العمل العربي على الشعوب العربية والأقطار
العربية المحتلة، تلك التي لم تنجز بعد مرحلة
الإستقلال الوطني. فالفكر الإقليمي الذي ساد بعد
تسلم الرئيس أنور السادات ومجموعتة الحكم في مصر
في أعوام السبعينات من القرن العشرين أدى إلى
تقسيم المناطق العربية إلى مناطق نفوذ القيادات
القطرية المتنافسة مع الجميع، والمتصارعة حول
مناطق التأثير والنفوذ الوهمية. وبرزت هذه
التنافسات والصراعات الفئوية بشكل خاص في المناطق
العربية المتوترة كفلسطين وارتيريا والأحواز
وأغادين ولواء الأسكندرون ولبنان الغارق في اتون
الحرب الأهلية المقيتة. فكل قطر من الأقطار
العربية المتنافسة، وكل قيادة من هذه القيادات
الحزبية القطرية المتصارعة رات في كل قضية وفي كل
قطر من الأقطار المحتلة أو المتوترة سياسياً ساحة
صراع وساحة نفوذ وجبهة مصالح تجابه به الآخرين.
لقد اعتمد مبدأ تقاسم الحصص
والنفوذ الإقليمي والحزبي حسب مقياس القرب أو
البعد الجغرافي من هذه الدولة أو ذاك القطر.
فقد أخذت القيادات العربية
المتنافسة تحدد مناطق النفوذ الخاصة بها والمناطق
الممنوعة على الآخرين من المنافسين العرب. وتعمل
على جعل تطور مسارات قضايا الشعوب العربية المحتلة
تتطابق مع مصالح وسياسات هذا النظام العربي أو ذاك
النظام.
وهكذا أصبح قطر الأحواز المحتل
والقضية الأحوازية حكراً على الحكومة العراقية،
وصارت منطقة نفوذ مشروع لسياسات الحكومة العراقية،
وما على القوى السياسية الإحوازية إلا الإنسجام مع
رغبات ومصالح دوئر الحكم والسلطة في قطر العراق.
صار الإنسجام مع هذه الإستراتيجية وهذا الواقع
المر هو سيد الموقف،حيث أصبح كل من يخرج عن هذا
المسار يوضع تحت طائلة المطاردة والعزل وحتى إلصاق
فيه تهم الخيانة.
فقد صارت أيضا، وحسب المنطلقات
الإقليمية والفئوية، قضية لواء الإسكندرون والوضع
في لبنان، الذي تدور فيه حرب أهلية مدمرة، من
مهام الحكومة السورية، وعلى جميع القوى اللبنانية
والفلسطينية والعربية في هذا البلد الإنسجام مع
هذه الشرعية القطرية المزيفية. كل من يخرج عن
مسار هذه الرغبات ولا ينسجم مع مجمل سياسات دوائر
السلطة والحكم يطارد ويشرد ويتهم بأقسى الإتهامات.
وإعيد من جديد تشكل الحركات السياسية والأحزاب في
لبنان حسب مقاسات حكومة القطر المهيمن. فغابت
أحزاب ومنظمات سياسية وعسكرية وخلقت أحزاب وحركات
سياسية وعسكرية جديدة مرضي عنها.
واوأصبحت قضية الأغادين (غرب
الصومال) من مهام الحكومات الصومالية فقط لا غير.
وكان حظ هذا الإقليم العربي الصومالي تعيس وعاثر
لأن الحامي والمحامي أصبح نفسة قد تفتت ويحتاج من
يحيه ويسانده لإستعادة كينه السياسي وبناء مؤسسات
الدولة فيه. وتقاسمت اليمن الشمالي واليمن
الجنوبي التعامل مع قضية إرتيريا وكادت أغلب الدول
العربية ترفع يدها من هذه القضية العربية الأساسية
مما تسبب في فتح ثغرات سمح للكيان الصهيوني
بإختراق هذه الدولة وإبعادها عن فكرة الإنظمام إلى
جامعة الدول العربية.
نسيت الأجيال العربية قضية سبتة
ومليلة لأن الحكومات العربية والإعلام العربي
اعتبر مشكلة هاتين المدينتين المغربيتين هي من
مهام الحكم في الرباط ومن الأفضل عدم التدخل في
شؤون هاتين المدينيتين حتى لا تدخل بصراع مع
حكومات المغرب. وقد تعاملت ليبيا بمفردها مع
الحالة التشادية ودارت حروب طاحنة بين ليبيا وتشاد
أوقعت أعداد هائلة من الخسائر البشرية والمادية
والمعنوية في كلٍ من تشاد وليبيا حتى أصبحت قضية
إنضمام تشاد، هذا القطر العربي، إلى الجامعة
العربية أخر أهداف القوى السياسية العربية في
تشاد، التي كان السبب الأساسي لصراعها مع القوى
الداخلية التشادية الموالية للمستعمر الفرنسي هو
عروبة البلد وضرورة الإلتحاق بمؤسسات الأمة
العربية، بالجامعة العربية وغيرها من المؤسسات
القومية.
وظلت القضية الفلسطينية الحقل
والساحة العربية التي عكست بين فصولها كل موبقات
حكومات الأمة وعلى جنباتها سالت دماء وارتكبت
خطايا، من شراء الأنصار وشق الصفوف وتصفية
الحسابات وإثارة المعارك والحروب بين الأطراف
الفلسطينية بالنيابة عن مزاج هذا الحاكم العربي أو
خدمة لرغبات وطموحات ذاك المسؤول العربي المتعجرف
والمستبد.
فقد وجد أبناء الشعب الفلسطيني
أنفسهم في بداية أعوام التسعينات من القرن الماضي
وظهورهم إلى الحائط وهم يشاهدون الحكومات العربية
غارقة بالصراعات الفئوية والصرعات على النفوذ
والتأثيروالتآمر على منظمة التحرير، وشق صفوف
منظمة التحرير، وتشتيت مكوناتها الحزبية وتوزيعها
كجماعات وغنائم على العواصم العربية. وما دخول
الحكومات الأجنبية، كحكومة إيران لشراء أو تأمين
حصتها من الفلسطينيين إلا النتيجة الطبيعية لفقدان
المسئولية العربية الجماعية والشعور بالإنتماء
للأمة وللقضية. فصلافة التدخل الإيراني في الشؤون
العربية الداخلية والعبث بوحدة الشعب الفلسطيني هي
من سمات مرحلة سيادة العصبية الإقليمية والفئوية
والطائفية.
لقد خلفت العقلية الإقليمية
والفئوية ما أصبح يطلق عليه "عملية السلام" وهي
بالحقيقة ليس أكثر من إدارة عملية الصراع بالطرق
الدبلماسية ولكن حسب قواعد وشروط القوى المعادية
لمصالح الشعب الفلسطيني والمعادية لمصالح الأمة
العربية.
لقد ساهمت السياسات الإقليمية في
فتح الثغرات وفتح الطريع أمام المشروع الغربي
الإستعماري المتمثل بشكل مباشر بالمشروع الصهيوني
الإستيطاني لتحقيق أهدافه الإستراتيجية باحتلال
بلاد الشام ومصر ونصف الجزيرة العربية. ومهد
الطريق لتمدد مشروع فارسي قادم من الشرق متخذاً
من القضية الفلسطينية نقطة إرتكاز في مشروعه
العدواني الطامح.
من الجلي أن سيادة العقلية
الإقليمية والفئوية والطائفية المقيته في أوساط
صناع القرار في الدول العربية كانت بالغة السلبية
وكارثية النتائج، والتي تجلت بغياب المشاريع
العربية الإستراتيجية في كل المجالات. وكان أبناء
الأرض العربية المحتلة الأكثر تأثراً، حيث عادت
على القضايا العربية المفتوحة كقضية فلسطين
والأحواز والأسكندرون وأغادين بالوبال والخسارة
الشديدة. أقل هذه النتائج سوءاً كان النسيان وغياب
الحليف والنصير، وغياب هذه القضايا عن إهتمامات
القوى السياسية العربية والقوى الشعبية العربية
وفقدان الأجيال العربية الصاعدة صاحبة المستقبل
المعرفة عن أجزاء من وطنهم العربي الكبير. لقد
كانت تلك المرحلة ببساطة شديدة مرحلة تخاذل
الحكومات العربية عن تأدية واجباتها القومية.
وكانت مرحلة تخلي الأحزاب السياسية العربية في
المعارضة عن مجموعة من واجباتها الأخلاقية
وواجباتها المصيرية. لم يعد أحد من الحكام العرب
ومن القوى السياسية العربية، حتى من قوى المعارضة
العربية، يشعر بالمسؤولية السياسية وحتى الأخلاقية
لما يحل بهذه الأقطار وهذه الشعوب التي تأن تحت
وطأة المحتل الأجنبي والغازي المتجبر.
لكن حكمة الله في خلقه، ومن محاسن
حركة التاريخ أن لايبقى شيئ ثابت، والحركة
والتغيير هي سنة الحياة وسنه الخلق. وكما يقال "في
الحركة بركة". واليوم نعيش في الوطن العربي حالة
إعادة تقييم في جسم الأمة ، ونعيش حالة مراجعة
كبيرة تجري في كل مواقع صنع القرار وداخل الأوساط
السياسية والشعبية في الوطن العربي. ومن المؤكد
ستكون السلبية وحالة عدم المبالاة أول ضحايا هذه
المراجعة وإعادة ترتيب الأولويات في فكر الأمة.
ففي الأفق بدأت تنقشع الغيمة السوداء القاتمة من
سماء الأمة وتتلاشى حقبة العقود الثلاثة العجاف.
ومن المؤكد سقوط االمشاريع
الإقليمية الإنعزالية وسقوط الفئات التي أنتجت
حالة الخراب العربي في العقود الثلاثة الأخيرة من
القرن العشرين. وأجيالنا تشهد على بداية نهضة
عربية تولد من رحم حالة الفشل والإنكسار. وأجيلانا
تشهد على تكون وعي عربي يقدم مصالح الأمة على
مصالح الفئات القطرية والطائفية والحزبية، وتبرز
كل يوم ارهاصات بناء المشروع العربي الإستراتيجي
المتناسب مع طبيعة العصر، المنسجم مع ظاهرة بناء
التجمعات القومية والجغرافية الكبيرة على المستوى
العالمي.
لقد عادت بعض القضايا العربية في
العقد الأخير إلى البروز من جديد، وصارت بعض
القضايا العربية الهامة تفرض نفسها على الخريطة
السياسية في المنطقة، ودخلت مفردات هذه القضايا
إلى قاموس الحركة السياسية ومفردات الحقل الإعلامي
العربي والعالمي أيضاَ. من القضايا العربية الهامة
هي بالتأكيد قضية الشعب العربي الأحوازي المحتل.
تلك الأرض العربية والشعب العربي الرازح تحت نير
المستعمر الفارسي منذ أكثر من ثمانية عقود. وقد
ساهم أبناء الشعب العربي الأحوازي المساهمة
الأساسية في طرح قضيته على مسرح الأحداث من خلال
طرق باب الحرية بكل قوة.
كانت الإنطلاقة الجديدة لثورة
الأحواز قد تتوجت بالثورة الشعبية العارمة في 15.
4. 2005 . تلك الثورة الشعبية التي عمت كل قرى
وبلدات ومدن إقليم الأحواز العربي المحتل على
التخوم الشرقية للخليج العربي. سقط الشهداء
والجرحى وعتقل الشباب والشابات والرجال والشيوخ
وحتى الأطفال طالهم قبح الحقد الفارسي. لقد تفاجأ
المحتل المتغطرس وأركن إلى خبث نواياه، واعتقد
حكام طهران أن في سلسلة المذابح والمجازر التي
إقترفوها بحق الشعب العربي الأحوازي الأعزل ستكون
كافية لإرهاب هذا الشعب وقواه الحية. خابت مخططات
حكام طهران وباءت بالفشل وانتفض الشعب وحطم القيود
والأغلال وكانت الثورة العارمة الأحوازية الباسلة.
فقضية الأحواز لم تعد قضية منسية،
حيث دخلت من جديد إلى معادلات الصراع في المنطقة
الإقليمية والدولية. وبسقوط الفكر الإقليمي الذي
ساد لثلاثة عقود متتالية ستسقط حالة العزلة عن
قضايا أهلنا وشعبنا في كل الأجزاء والأقطار
العربية المحتلة والتي لازال المستعمر جاثم على
صدور أهلنا في تلك الأقطار.
إن مشروعاً عربيا قادراً على تحقيق
مصالح الأمة العربية وقادراً على حماية الأمة من
الخطر الغربي والخطر الصهيوني ومن الخطر الإيراني
لا بد من أن يتضمن في جانب منه في إعادة النظر
بسياسات حكام إيران العدوانية المتغطرسة تجاه
الأقطار العربية. ولا بد أن يتضمن المشروع العربي
قواعد وثوابت سياسية قادرة على التصدي للمشروع
الإيراني العدواني ودحره. فالمشروع العربي الذي
يكفل على جبهة الخليج العربي ثلاثة مهام أساسية
كفيل بتحقيق أمن الخليج العربي ويعزز من منظومة
الأمن القومي العربي. تتلخص هذه المهام في :
·
دعم مقاومة الشعب العراقي ضد
الغزاة من أمريكان وإيرانيين ومساعدة الشعب
العراقي في إعادة دولته العربية الموحدة، وبناء
الوطن المستقل المحرر من غربان الفتن والخيانه.
·
دعم الدول العربية في الخليج
العربي والوقوف بجانبها بوجه التهديدات الإيرانية
التوسعية المتكررة، ودعم دولة الإمارات العربية
المتحدة في صراعها ونضالها العادل لإسترداد جزرها
الثلاث المحتلة، أبو موسى والطنب الكبرى والطنب
الصغرى، وتحريرها من براثن المستعمر الفارسي.
·
دعم الشعب العربي الأحوازي المحتل
من قبل إيران، واحتضان حركة التحرر الوطني
الأحوازي، ومد يد العون والمساعدة لقواه الحية،
وفتح المدن العربية أمام أبنائه الذي تحاصرهم
وتطاردهم قوات القمع الإيرانية المختلفة، كفيل
بتحقي الأمن القومي العربي ودحر المشروع الإيراني
التوسعي.
في مساعدة الشعب العربي الأحوازي
الشاب والمتحفز لنيل حريته واستقلاله سيساهم بكل
تأكيد مساهمة مباشرة في تعزيز الأمن القومي العربي
وتعزيز مشروع أمن الخليج العربي. وفي الوقوف إلى
جانب حركة التحرر العربي الأحوازي ومدها بكل عوامل
القوة والصمود سيكون له المردود الإستراتيجي
الهائل على مستقبل الأمة العربية، أقلها إعفاء
الأمة العربية من خوض الحروب المضنية ضد دولة
إيران .
فتحرير الأحواز ومساندة شعبه فيه
إضعاف مباشر لقدرات إيران المادية وإخراج نصف
الناتج القومي الإيراني من ميزان المواجهة وتقليص
قدرات إيران الإستراتيجية على كل الجبهات. وسيشكل
تقديم كل أسباب الصمود للشعب العربي الأحوازي إلى
استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية المعدة للحرب
ضد دول الخليج العربي والعراق، وللتدخل بالأقطار
العربية الأخرى كمصر والمغرب والجزائر واليمن.
بدعم شعب الأحواز العربي الذي هو بالدرجة الأولى
واجب قومي وواجب أخلاقي سيشكل في نفس الوقت مصلحة
قومية ومصلحة إنسانية سيساهم بوقف الإرهاب
الإيراني المنفلت من عقاله والذي طال أكثر من
ثلاثين بلد من بلدان العالم.
من الواضح أن موقع الأحواز وموقع
حركة التحرر العربي الأحوازي في معادلات الصراع في
المنطقة يحتل موقعا حاسما ويحتل مكانه الصدارة إلى
جانب دعم الشعب العراقي ودعم الدول العربية
الخليجية الأخرى في دورة الصراع الساخنة الدائرة
مع حكام إيران، وفي الصراع مع أصحاب مشروع الفوضى
المنظمة والفوضى غير المنظمة، ومع أصحاب مشروع
تفتيت المجتمعات العربية، ومع مشروع الطائفية
السياسية والطائفية الإجتماعية الذي تقوده طهران.