هل ثورة 23 تموز
/ يوليو 1952 لا
تزال حية؟ الرد
على هذا السؤال
هو قطعا نعم،
إنها لا تزال
حية. وأكبر إثبات
على ذلك هو
الاحتفال بها رغم
مرور ثمان وخمسين
عاما على قيامها.
أما استمرارها في
المعنى الثوري
فإن الأمر يحتاج
إلى مراجعة
بناءة، وليس
مراجعة عاطفية.
فقد استطاع
الزعيم الراحل
جمال عبد الناصر،
وهو الرجل
الكاريزمي، أن
يجذب خلفه
الأغلبية الساحقة
من أبناء الأمة
العربية، ويستحوذ
على ثقتها، ويزرع
في نفوسها الأمان
والكرامة. وتردد
على لسان
الملايين الشعار
الذي أطلقه "ارفع
رأسك يا أخي".
والمقولة
المكررة: "كنت
أنام وأنا مرتاح
لأنني واثق أن
هناك عينا ساهرة
أضع فيها
كل ثقتي".
واستقبلت
الجماهير العربية
كل ما كان يقوله
عبد الناصر بدون
جدل، وكانت
كلماته تتناقلها
الألسن وكثيرا ما
سمعنا جملة
"ريسنا قال".
وهذه الثقة
الجماهيرية كانت
مبنية على أسس
ملموسة في
القرارات التي
اتخذتها ثورة 23
تموز/ يوليو
وليست نابعة من
شعور عاطفي. فقد
شاهد أبناء الأمة
العربية تنفيذ
قرارات تحديد
الملكية، وإعادة
توزيع الثروة
الزراعية، وإقامة
العدالة
الإجتماعية
وإنشاء الصناعات
الثقيلة،
والتنمية البشرية
وغيرها.
وكان عبد الناصر
يعرف أن القول
بدون العمل لن
يجدي نفعا، وقد
عبر عن ذلك بوضوح
في كتابه "فلسفة
الثورة" عندما
قال: "لقد كنت
أتصور قبل 23
يوليو أن الأمة
كلها متحفزة
متأهبة وأنها لا
تنتظر إلا طليعة
تقتحم أمامها
السور، فتندفع
الأمة وراءها
صفوفا متراصة
منتظمة تزحف زحفا
مقدسا إلى الهدف
الكبير... ثم
فاجأني الواقع
بعد 23 يوليو.
قامت الطليعة
بمهمتها، واقتحمت
سور الطغيان،
وخلعت الطاغية،
ووقفت تنتظر وصول
الزحف المقدس
للصفوف المتراصة
المنتظمة إلى
الهدف الكبير..
وطال انتظارها".
ثم انطلق عبد
الناصر مبرهنا
القول بالفعل عن
طريق "ثقافة
الممارسة". سارت
الجماهير خلفه،
لقد أصبحت الصورة
واضحة والأهداف
واضحة، الشيء
الذي أبقى الثورة
نابضة بالحياة.
وهذا الأسلوب جعل
من التجربة التي
قادها عبد الناصر
مصدر قلق على
مستوى المنطقة
كلها، وبالتالي
بدأ حصارها على
مستويات مختلفة
داخلية وخارجية،
عربية وأجنبية .
ولكن، هل كانت كل
هذه الجماهير
دارسة وواعية
لأبعاد الثورة
وأهدافها؟ لا
أعتقد ذلك، وكما
أسلفنا فإن
الممارسة العملية
والعمل الإيجابي
هما اللواتي
فهمتهما الجماهير
التي التفت حول
عبد الناصر. لقد
كانت هذه
الجماهير متحمسة.
ولكن كما قال عبد
الناصر نفسه في
كتاب "فلسفة
الثورة" أن:
"الحماسة لا
تكفي".
ويبدو أن المنارة
التي أشعلها عبد
الناصر لم ترق
جاؤوا بعده
، وها نحن اليوم،
وبعد مضي أربعين
عاما على وفاة
الزعيم عبد
الناصر، نشهد مصر
الرسمية
تتمزق وتسير في
طريق معاكس
لمبادئ ثورة 23
تموز/ يوليو.
ونرى الجماهير
تهرع إلى صناديق
الاقتراع لتنتخب
الذين انحرفوا عن
طريق الثورة،
ويقف الإنسان
متسائلا عن
الأسباب الحقيقية
وراء هذا التحرك.
ويأتي هذا
التساؤل على
الرغم من بعض
مظاهر الحماس
التي تظهر أثناء
بعض المظاهرات،
حيث ترفع شعارات
وصور الزعيم،
وعلى الرغم من أن
الفلم السينمائي
"ناصر 56" واجه
نجاحا منقطع
النظير في حين لم
يحظ فلم "أنور
السادات" بنفس
النجاح. ونرى
هناك شعبية كبيرة
لمحطة التلفزيون
"وطني الكبير"
التي تبث بشكل
مستمر خطبا لجمال
عبد
الناصر(ولغيره)
وأغاني الثورة.
وبوفاة عبد
الناصر تفرقت
الجماهير وظهرت
تنظيمات أطلقت
على نفسها كنية
"تنظيمات ناصرية"
كان هدف معظم
قادتها شخصية.
بالإضافة إلى أن
هذه التنظيمات لم
تقم بتطوير نفسها
ضمن الإطار
الفكري الذي
وضعته الناصرية،
بل دخلت في أزمات
عقائدية معتمدة
على شعارات أكثر
منها عملا
منهجيا. ولهذا
السبب تواجد
عندها الجمود
الفكري. إن الفكر
الذي وضعته ثورة
23 تموز/ يوليو
ليس فكرا جامدا
أو غير قابل
للتطور، العكس هو
الصحيح، فهذا
الفكر وبدراسته
الدقيقة، يتبين
أنه يحمل الكثير
من الإمكانيات
الفكرية التي
يمكن أن تتطور
وتطبق وتبقى ضمن
الخط القومي
العربي والمنهجية
الناصرية. وكان
من الأفضل على
الناصريين أن
يجندوا أنفسهم
للعمل في هذا
الاتجاه، اتجاه
التوجه للجماهير
وشرح أسس الفكر
الناصري
كأيديولوجية
واقعية، وليس
لاستقطاب
المشاعر. بمعنى
آخر يجب بناء
الأساس العقائدي
القوي، وأن يصبح
الانتماء
الجماهيري انتماء
عقائديا وليس
عاطفيا فقط.
كما يجب أن تتوقف
المحاولات لإيجاد
زعيم بديل لعبد
الناصر،
فالشيوعيون مثلا
لم يحاولوا أن
يجدوا بديلا
لماركس وللينين
والصينيون لم
يحاولوا إيجاد
بديل لماوتسيتونغ
وغيرهم، لقد قامت
الشعوب بتطوير
ونشر الأفكار
التي وضعها هؤلاء
القادة.
ويجب بلورة
مجتمعنا العربي
حتى نستطيع بناء
القاعدة الشعبية
التي ترفع هذا
المجتمع لتضعه في
الطريق الصحيح.
فرغم مرور أكثر
من نصف قرن على
صدور كتاب "فلسفة
الثورة"، إلا أن
بعض ما جاء فيه
لا يزال ينطبق
على يومنا هذا.
قال عبد الناصر
في كتابه: إننا
نعيش في مجتمع لم
يتبلور، وما زال
يفور ويتحرك ولم
يهدأ حتى الآن أو
يتخذ وضعه
المستقر ويواصل
تطوره التدريجي
مع باقي الشعوب".
فتمشيا مع ما
أسلفنا، فإننا
نرى بعض
الناصريين يرفعون
شعارات دون أن
يفسروها للشعب أو
يلتزموا هم بها
مثلا: "ما أخذ
بالقوة لا يسترد
بغير القوة"،
شعار رائع ولكن
يجب أن نشرح
للجماهير كيف
نسترد ما أخذ منا
بالقوة؟ وما هي
المجالات
والآليات
المفتوحة أمام
الشعب؟ ومن هي
القوى والعراقيل
التي تقف في طريق
تنفيذ هذا
الشعار؟
ثم هناك من يفصل
بين الناصرية
والقومية
العربية، وهذا
موضوع مهم وواسع،
فالربط بين عقيدة
القومية العربية
والناصرية هي جزء
من ترسيخ
العلاقات بين
الجماهير
العربية.
والدعوة لتطبيق
الديمقراطية أمر
مهم للمسيرة
السياسية، ونرفع
مقولة الزعيم
الخالد بأن"إن
حرية الكلمة هي
المقدمة الأولى
للديمقراطية"،
فهل نطبق نحن هذه
المقولة بيننا؟
إن الصراع الفردي
ينقلب فجأة إلى
تعصب ومن ثم صراع
ومن ثم مقاطعة
وتضيع
الديمقراطية في
هذا الصراع، فكيف
يمكن أن نفسر
للجماهير"حرية
الكلمة" ومن ثم
"الديمقراطية"؟!
وأتفق مع الدكتور
جمال الصباغ بما
كتبه: "الناصرية
لا يمكن أن
يتجاوزها الزمن
فهي أهداف أمة
بأسرها، ولكن
يبدو أن الزمن
تجاوز بعض
الناصريين الذين
هم عبء على
الحركة
الناصرية".
والنقد الذاتي هو
من ايجابيات
العمل الثوري،
فالذي لا يعمل لا
يخطئ، والمهم
بالأمر الاعتراف
بالخطأ وتصحيحه.
وقد وقعت
الناصرية بأخطاء
يجب عدم التستر
عليها بل العمل
على تصحيحها
وإقناع الأمة
العربية بذلك.
وتظل ذكرى الثورة
وذكرى الضباط
الأحرار شعلة
مضيئة في تاريخ
أمتنا العربية،
ومنارة نهتدي بها
إلى طريق الخلاص.