الموقع الرسمي لـ الجبهة الديمقراطية الشعبية للشعب العربي الأحوازي

الأرشيف

بطولات أحوازية

سايت فارسي جبهه

English Web

المرأة الأحوازية


قضية الأحواز ونظرية التحدي والإستجابة

 

موجز لمحاضرة الدكتور عماد الدين الجبوري والتي القيت ارتجاليا في جامعة لندن: كلية الدراسات الشرقية والأفريقية، بتاريخ 1-5-2010. بمناسبة ذكرى إحتلال الأحواز، التي أقامتها الجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية، بدعم من اللجنة العربية لمناصرة الشعب العربي الأحوازي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن الاحتفال السنوي بذكرى إحتلال الأحواز، إنما تنم عن إرادة جماهيرية حية وصادقة تجاه رفضها ومواجهتها للمحتل الإيراني الجائر منذ أكثر من ثمان عقود مضت. وهنا أودُ أن أتناول نظرية التحدي والإستجابة التي أرتكز عليها توينبي في مفهومه ودراسته للتاريخ البشري. وسوف أطرح ثلاث محاور مختصرة هي:

 

أولاً: مختزل رؤية توينبي التاريخية.

ثانياً: نظرية التحدي والإستجابة.

ثالثاً: صلة النظرية بالكفاح الأحوازي.

 

رؤية توينبي

 

ولد أرنولد جوزيف توينبي في لندن عام 1889 وتوفى عام 1975. ويعتبر شيخ مؤرخي القرن العشرين، وأحد أكبر المؤرخين في العصر الحديث. وضع العديد من البحوث والمؤلفات التي تتعلق بالتاريخ؛ منها كتابه الموسوم "دراسة التاريخ" الذي بدأه في 1934 وأكمله في 1961، ويقع في 12 مجلداً. أما صلة نظرية التحدي والإستجابه في كتاباته، فتعود إلى عام 1921، وتمتد إلى ما بعد عام 1964.

ولقد حدد توينبي الحضارات البشرية إلى 30 حضارة، منها 21 حضارة قد إكتملت. بمعنى إنها نشأت وتطورت ثم إزدهرت، وبعدها إضمحلت وانتهت. وقسم التسعة الأخرى إلى قسمين أثنين، خمسة مجمدة، وأربعة مجهضة. ومع ذلك فإنه يعتبر الحضارات المعاصرة التي يسميها بالمجتمعات الحية، فقد حدددها بسبع حضارات، ست منها في طريق الزوال، والأخيرة مازالت تنتظر مستقبلها، وهي الحضارة الغربية الآخذة بدورها نحو التفكك. أما الحضارات الست فهي: المسيحية الأرثودكسية الروسية، المسيحية الأرثودوكسية البيزنطية، والإسلام، والهندوسية والصين، وكوريا، واليابان.

ومن السياق أعلاه نفهم إن توينبي يعطي أولوية للدين، فالحضارة الغربية والروسية والبيزنطية تدين بالمسيحية، وإن الدول الآسيوية الثلاث تدين بالبوذية. وسبب ذلك، إن توينبي يرى إن المحور أو الباعث الفعلي في التاريخ إنما يكون بالجانب الفكري والروحي. ولذلك فقد رفض نظرية المادية التاريخية لكارل ماركس. وأيضاً رد على جورج هيجل في نظرية الأعراق، عندما أعتبر الشعب الإلماني أسمى الأعراق البشرية، ويأتي دونه الِعرق بعد الآخر. بل ورفض توينبي تقسيم التاريخ البشري إلى قديم ووسيط وحديث. فالعوامل الروحية والفكرية ليست فيها فواصل متقطعة. وإذا أكد إن الجنس الأسود لم يصنع حضارة، فإنه أكد أيضاً إن عناصر من الجنس الأبيض لم تسهم بقيام أي حضارة. فالموضوعية والحيادية والتجريد من أي ميول، كانت من أبرز سمات البحث والتقصي التاريخي عند توينبي.

أكتفي بهذا السرد لضيق الوقت وأنتقل إلى المحور الثاني:

 

نظرية التحدي والإستجابة

 

لقد إستلهم توينبي هذه النظرية من عِلم النفس السلوكي، وما نص عليه المفكر وعالِم النفس السويسري كارل غوستاف يانغ المولود في 1875 والمتوفى عام 1961، وهو مؤسس عِلم النفس التحليلي. ينص يانغ في نظريته على ما يلي:

إن الفرد الذي يتعرض إلى صدما ما، قد تفقده توازنه؛ لكنه قد يستجيب لهذه الصدمة وفق نمطين أثنين سلبي وإيجابي. فالإستجابة السلبية: تعني النكوص أو الإرتداد إلى الماضي لإستعادته والتمسك به تعويضاً عن واقعه المُرّ. وبالتالي يكون فرداً إنطوائياً. أما الإستجابه الإيجابية: فإنه يقرّ ويعترف بالصدمة، بل ويتقبلها كمحاولة منه بأن يتغلب عليها. فيكون بذلك شخصاً متفتحاً ومنبسطاً.

ما الذي فعله هنا تويني، هو إنه نقل هذه النظرية من حيزها الفردي النفسي إلى الحيز الإجتماعي التاريخي. مثلما نقل ماركس جدلية هيجل من عالمها المثالي وأرساها في عالمه المادي. حيث رأى توينبي إن البيئة تتحدى الناس، فإن إستجابوا بنجاح فإنهم يتمكنون من إنشاء حضارة قوية ذات شأن. وهذا التحدي البيئي، كما نعلم، سواء عبر الفيضانات والطوفان الهالك، أو كوارث الزلازل والبراكين المدمرة، فإنها تدفع الناس وتحفزهم لأن يستجيبوا لها بغية التغلب عليها.

بيد أن توينبي لا يعتبر جميع الناس هم في حالة إستجابة للتحدي، بل فيهم نخبة، أو كما يقول "أقلية" تمتلك القدرات والمهارات، وقد لا يحققون النجاح في إستجابتهم الأولى أو الثانية، لكن إبداعاتهم تمكنهم من التغلب في نهاية المطاف، حيث تحقيق الإستقرار والنمو ثم الإزدهار والرُقي الحضاري. وينوه توينبي إلى أن هذه الإستجابة في التحدي يجب أن لا تكون مفرطة، ولا تقصير فبها، وإنما مقبولة لكي تحقق النجاح. والتي يسميها "قانون الوسط الذهبي". فعلي سبيل المثال، إن العصر الجليدي الأخير الذي حدث قبل عشرة آلاف سنة، فإن المناطق العربية من غابات وأراضي خضراء شاسعة، قد تحولت إلى صحراء قاحلة. فالبدو الذين إستجابوا بشكل مفرط للتحدي، لم يتمكنوا من تحقيق بناء حضاري. أما الذين إستجابة بطريقة التحدي المعقول، إستطاعوا أن يكونوا حضارات.

ويرى توينبي أيضاً إنه كلما كانت هذه الأقلية تمتلك المهارات بالعطاء، كلما كان الوضع الحضاري مستمراً. وعندما تتوقف عن الإبداعات، فإنها تتجه إلى التسلط على "الأكثرية". وبالتالي يحدث السخط عند المحكومين، فتظهر التصدعات، وهذه إحدى عوامل إنهيار الحضارات.

أنتقل الآن إلى المحور الثالث.

 

صلة النظرية بالكفاح الأحوازي

 

عندما ساند الغرب الكيان الصهيوني في إغتصاب فلسطين وإقامة دولة إسرائيل عام 1948، فإن توينبي لم يكن فقط معارضاَ وناقداً لهذا الإحتلال، من حيث مبدأ الوقوف مع الحق ضد الباطل؛ وإنما من منطلق علمي تاريخي أيضاً. حيث أكد في كتاباته على إن هذا الكيان المزروع بالجسد العربي، فإن العرب سيرفضونه ويقاومونه، لإنه تحدي، والعرب من الشعوب الحية التي يحفزها التحدي وتستجيب له.

وبما إن الشعب الأحوازي هو جزءٌ لا يتجزأ من الأمة العربية، إذن فإن ما ينطبق على عرب فلسطين ينطبق كذلك على عرب الأحواز. وإن المستقبل ببعده الزمني الذي ينتظر الكيان الصهيوني، هو نفسه ما ينتظر الاحتلال الإيراني للأحواز. والأدلة كثيرة، فعندما تم إحتلال الأحواز في 20-4-1925، بعد عملية إستدراج خبيثة لأمير الأحواز الشيخ خزعل الكعبي من قِبل القائد العسكري البريطاني وقائد القوات الإيرانية الجنرال زهدي، ثم إعتقاله في الباخرة الحربية البريطانية، وإيداعه السجن، ثم إغتياله عام 1936. أقول في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1925 تفجرت أول ثورة بالأحواز، والتي تُعرف بثورة الغُلمان. والغُلمان هم جنود الشيخ خزعل الكعبي. وبغض النظر عن أسباب الفشل في الإعداد والتسليح والتنظيم، إلا إنها تعتبر أول ثورة في التاريخ الأحوازي بصفة خاصة، والتاريخ العربي بصفة عامة. ولم تتوقف الثورات والانتفاضات داخل الأحواز المحتلة، وآخر صفحة كتبها شعبنا العربي الأحوازي هي إنتفاضة 15-4-2005. حيث راح ضحيتها نحو 400 شهيد وما يزيد عن الألف بين جريح ومعتقل. وهذا إن دل على شيء فأنما يدل بكل وضوح ساطع على إن الإرادة الجماهيرية في الأحواز ما زالت على ثوابتها في تحقيق التحرير والإستقلال.

إن خطورة الاحتلال الإيراني اليوم تشكل تهديداً بالغاً تجاه الأمة العربية، ولا يقل شأناً عن خطر الاحتلال الصهيوني لفلسطين. بل لا نبالغ إن قلنا يعتبر أشد خطورة بكثير من العدو الصهيوني، لأن إيران تتستر بالإسلام وتبتلع أراضي وبلدان عربية. فكما قال الملك عبد العزيز بن سعود: "مَنْ خدعنا بالدين ننخدع له". ولقد أشار الدكتور علي شريعتي في كتابه: "التشيع العلوي والتشيع الصفوي" إن الصفوية مزجت القومية الفارسية بالمذهب الشيعي وخلقت من هذا المزج الهوية الإيرانية التي يتم فيها تفضيل الأعجمي على العربي. وهذا تشخيص تدقيق من قبل مفكر إيراني.

وهكذا إذ بعد أحتلال الأحواز، قد إحتلت إيران الجزر الإماراتية الثلاث في عام 1971. ونحن نسمع بين الفينة والأخرى عبر الأبواق الإيرانية بأن البحرين محافظة إيرانية. ولا نتفاجأ بعد عقد من الزمن أو أكثر أن يتم لها ذلك. ناهيك بالإشارة إلى مشاركة النظام الإيراني مع القوات الأمريكية في إحتلال العراق، ودعمها المتواجد في لبنان وفلسطين واليمن والمغرب العربي، بدعوى مساندة المسلمين، بينما هي تساند الاحتلالات الغربية لبلدان إسلامية. ويكفي ما صرح به بعض رموز النظام الإيراني من أبطحي ومتقي وهاشمي رفسنجاني وغيرهم حول مساعدة إيران لأمريكا في إحتلال أفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003. أما دعمها للميليشيات الطائفية المسلحة في العراق، ومنها فِرق الموت التي شاطرت المحتل الأمريكي بزرع أبشع أنواع القتل والدمار، فحقائق  ما زالت ماثلة أمامنا لليوم. ويكفي أن نشير إلى أن هذه الميليشيات الطائفية وعناصر تنظيم القاعدة قد دخلت العراق من إيران. 

على النظام العربي الرسمي أن يعيد إحتضانه لقضية الأحواز، كما كان في مؤتمر القمة العربية لعام 1964. حيث كان للأحواز كرسياً في المؤتمر. كما ويجب أن يكون هناك دعماً للأحوازيين سواء من منطلق قومي أو إنساني. وعلى الجانب الإعلامي العربي أن يحشد الرأي العام لعربي والدولي ضد الاحتلال الإيراني الغاصب للأحواز وللجزر الإمارتية ولتدخلاته المشينة في بعض البلدان العربية.

وختماً تحية أكبار وإجلال للشعب العربي الأحوازي، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار في الأحواز.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 


المنهاج السياسي