هل أقترب وقت الافتراق؟  العلاقة السورية الإيرانية ومؤتمر أنابولس

 

منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي وبعد بدء المواجهات الداخلية في لبنان عام 1975، عند ما كان بعض العناصر الإسلامية الإيرانية المناصرة للخميني المبعد في العراق يعملون مع حركة أمل الشيعية في الجنوب اللبناني،  بدأت العلاقة السورية بقيادات النظام الإيراني الفعلية، وطبعا هذا لم يقتصر على سوريا فقط بل وشمل بعض الدول الراديكالية العربية الأخرى وقتها ومنها ليبيا ألقذافي، الذي كان يكن العداء الشديد للسلطة الشاهنشاهية المناصرة لإسرائيل. أهم تلك العناصر التي بنت العلاقة مع السلطات السورية كان "دكتور تشمران" الذي أسس وقاد التعبئة الإسلامية الإيرانية لمواجهة الجيش العراقي في حرب الثماني سنوات والتي انتهت بـ "كأس السم" الذي تجرعه الخميني وخسارة إيران. وقتل تشمران في الحرب ودفن في مكان بالقرب من مدينة " البسيتين" الأحوازية وهو اليوم مزارا لقوات التعبئة أي ما عرفت أخيرا بـ " البسيج" وحرس الثورة.

 

في تلك الحرب ومثل ما هو معروف اصطفا سوريا وليبيا إلى جانب إيران وذلك من منطلق ان السلطة الجديدة في إيران هي سلطة إسلامية معادية لإسرائيل وأمريكا وللإمبريالية عموما وان الجيش العراقي زج به الأمريكان لإحتلال بعض من المناطق من إيران - المناطق العربية في الأحواز والكردية في كرمانشاه- متناسين ما قام به النظام الإيراني الجديد منذ ولادته من تدخلات في الشأن العراقي الداخلي وتشكيله للتنظيمات المعادية له في إيران والقيام بالتفجيرات المتعددة في بغداد والجنوب ومنها تفجيرين أولهما في ساحة جامعة المستنصرية والثاني في حشود الطلاب الذين ساروا بجنائز الانفجار الأول للدفن. تلك المرحلة من العلاقة الإيرانية – العربية كانت تحمل تناقضات كثيرة حيث شقت إيران الصف العربي واتخذت العداء لحزب البعث الحاكم في العراق الذي كانت تتهمه بالإلحاد وتهتف بتحرير كربلاء منه قبل القدس وفي نفس الوقت تناصر السلطة البعثية في سورية التي تحالفت معها ضد العراق وهذا بالإضافة إلى سياسة النظام الاستفزازية والتدخل في شئون الدول العربية الأخرى ودعوتها لأحزاب المعارضة لهذه الدول وتشكيلها لتنظيمات سياسية شيعية الصبغة في هذه الدول وهي بديات تدخلها وتمددها الإقليمي.

 

كل ذلك تم بمباركة سورية واضحة وليبية خجولة انتهت بالقطيعة بين ليبيا وإيران بعد عقدين من الزمن واستمرت حتى أمس مع سوريا حيث أصبحا إيران وسوريا يتحركان على وتر واحد يبدأ من طهران ولم ينتهي في دمشق، بل ويمتد إلى جنوب لبنان والى غزة خصوصا وفلسطين عموما والى مناطق أخرى في العالمين العربي والإسلامي وأخيرا التدخل الدموي السلطوي والإحتلالي الإيراني في العراق والذي أيضا وللمرة الثانية تشارك فيه سورية وبكل قوة إلى جانب إيران ضد العراق وليس لصالح الشعب العراقي كما تدعي.

 

واستمرت العلاقة الإيرانية – السورية على وتر متسارع بعد اغتيال" الحريري"  رئيس الوزراء اللبناني السابق حيث اتهمت سوريا باغتياله وأصبحت استخباراتها، بل وقيادتها السياسية في قفص الاتهام، هذا ما لم تنتهي سناريوهاته حتى اليوم حيث استمرار الاغتيالات من جهة والاتهامات المكررة لسوريا من جهة أخرى في الوقت الذي أصبح فيه إيران هو اللاعب الرئيسي في الشأن اللبناني نظرا لوجود حزب الله الشيعي، اقوي تنظيم مسلح على الساحة العربية كلها، وأصبحت سوريا لا تحصد غير التهم ومواجهة الدولية والتدخل الإيراني المتدرج في شئونها الداخلية الذي وصل إلى حد تجنيس الفرس وتشكيل إحياء فارسية وشيعية كبرى في سوريا وفي الشام خصوصا وأصبحت سوريا التي تعاملت مع إيران على أساس المصالح المشتركة، تعاني من العزلة الدولية والعربية بسبب هذه السياسات غير المحسوبة العواقب من جهة ومن جهة أخرى أصبحت تخاف على مستقبل نظامها ألبعثي من النفوذ الإيراني الواسع في داخل سوريا من جهة ومن توسع الهوة التي أصبحت تفصل بينها وبين كثير من أبناء سوريا الذين انضموا للمعارضة السورية، القومية منها والإسلامية والكردية على حد سواء وشهدت سوريا مواجهات كثيرة خلال العامين الماضيين مع هذه التجمعات.

 

إيران من جانبها كانت وما زالت هي الرابح الأول من عمق العلاقة مع سوريا حيث هذه العلاقة وفرت لإيران تشكيل وتقوية حزب الله الشيعي في جنوب لبنان عن طريق المعابر السورية من جهة والارتباط بالتنظيمات الفلسطينية المتواجدة على الأراضي السورية واللبنانية بما فيها اليسارية والشيوعية من جهة أخرى وهذا بالإضافة إلى ان العلاقة السورية غطت إلى حد كبير على الصبغة الصفوية المذهبية العنصري للنظام الإيراني وأعطته وجهة إسلامية معادية للإمبريالية، كسبت من خلالها إيران ود كثير من تجمعات القوميين العرب والتجمعات الإسلامية.

 

اليوم، بعد محاولات سياسية غربية واضحة خلال الأشهر الأخيرة لإبعاد سوريا عن إيران، وبعد يومين من حضور سوريا التي دعتها أمريكا للحضور لمؤتمر أنا بولس مع ضمان طرح موضوع احتلال مرتفعات الجولان على المؤتمر، ومع تشجيع عربي لهذا الحضور لسوريا كانت زيارة ملك الأردن لها إحدى أوجهه، يتبين ان هذا انعكس سريعا بالسلب على العلاقة بين سوريا وإيران حيث جاء الغضب الإيراني بالتظاهرات والهتافات" اخجلي سوريا، اخجلي سوريا" أمام السفارة الأردنية بدل السورية في طهران ورشقها بالحجارة، بسبب سفر الملك عبدا لله الثاني، ملك الأردن الأخير لسوريا بعد فترة من التوتر في العلاقة بين البلدين، حيث يتهم الإيرانيون الأردن بالتدخل والتأثير على سوريا لحضور المؤتمر. ومن المعروف ان هذا المؤتمر لن يعطي لسوريا ولا حتى للفلسطينيين شيئا أكثر من المؤتمرات السابقة له التي رعتها أمريكا، حيث أعلن الرئيس الأمريكي يوم قبل بدء المؤتمر انه بداية لعملية سلام، وهي كانت دائما في المؤتمرات الأمريكية تبدأ من بداية جديدة!

 

والسؤال المطروح اليوم ومؤتمر أنابولس منعقد في أمريكا هو، هل حضور سوريا في المؤتمر هو بداية لتخفيض مستوى العلاقة بين سوريا وإيران؟ خاصة بعد التحسن الأمني الذي حصل في العراق والذي بين فشل السياسة الإيرانية- المؤيدة سوريا هناك وثبت ان معظم التفجيرات الإجرامية والإرهابية ضد الأبرياء العزل وتفجير المساجد والكنائس والأضرحة والمواجهات الطائفية كانت من صنع إيران نفسها وليس من عمل أجنحة المقاومة المختلفة بشقيها الإسلامي والوطني العراقيتين؟ والجواب على هذا السؤال يبقى مطروحا لمدة حتى تبين الأيام القادمة نية سوريا من هذا الخروج على الرأي الإيراني ومدى تحمل إيران لهذا الخروج وهي تعتبر سوريا أهم رابط لديها في كل ما تحتاج القيام به في المنطقة وسوريا أعطتها الغطاء الشرعي والثوري للتدخل في الدول العربية والإسلامية. إن ابتعاد سوريا عن إيران سيغير بالتأكيد الموازنات الإقليمية كثيرا وسيؤثر على مدى حصول إيران على المناصرة الشعبية في العالمين العربي والإسلامي. وبرأينا المتواضع ان سوريا بدأت السير على خط العودة عن العلاقة مع إيران التي تسببت لكل ما تواجه سوريا اليوم من عزلة ومشاكل داخلية، لكن يا ترى هل تتمكن سوريا من العودة السالمة بعد ما استقوى عود المعارضة السورية أخيرا والعزلة الإقليمية والدولية التي واجهتها بسبب التخبط في سياساتها الماضية؟ وهل تتمكن سوريا من تعويض فقدان المساعدات التي تحصل عليها من إيران اليوم، من الدول العربية ومن حلفائهم الغربيين إذا قررت الابتعاد عن إيران؟ وهل تتمكن ان تزيل الكانتونات الإيرانية التي توسعت كثيرا خلال أكثر من 28 عام من العلاقة الإستراتيجية؟

 

محمود أحمد الأحوازي m.ahmad2004@hotmail.com

‏2007‏-11‏-27