حق تقرير مصير الشعوب، ضرورة تاريخية!

في بداية السبعينات من القرن الماضي عند ما كانت كثير من الشعوب مازالت تناضل من اجل استقلالها، بعد استقلال عدد منها خلال وبعد الحرب العالمية الثانية, وفي بدايات معرفتنا للسياسة، عند ما كنا نتابع نضال الشعوب والطرق التي تؤدي إلى نضوج فكرة الاستقلال عندها قبل بدء النضال ومن خلاله وطرد الاستعمار، كنا نتصور، أو بالأحرى نؤمن نظريا وتحت تأثير الأيديولوجيات والحراك الاجتماعي الموجود وقتها على الساحة الدولية، :كنا نؤمن بمقولة مفادها ان وعي الشعوب القومي ومطالباتها بحقوقها في الاستقلال والتحرر بدء مع مرحلة التطور الرأسمالي وانتشاره في العالم، والشعوب المستعمرة أدركت ضرورة النضال التحرري الوطني عن المستعمر عند ما دخل الاقتصاد الرأسمالي ولو بشكله البدائي أوطانهم المستعمرة وسينتهي هذا التوجه والاهتمام والنضال القومي في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية الشعبية، أي الاشتراكية وسلطة العمال والمحرومين.  والسبب وراء قبول هذه الفكرة لم يأتي بسبب قبولنا لأيديولوجية معينة فقط، بل كان سببه ان معظم الخبراء في علم الاجتماع والمتابعين لسياسية العصر في ما يخص نضال الشعوب ومن كلى القطبين الرأسمالي والاشتراكي، كانا يؤمنان بهذه الفكرة حيث الجميع كان متفق على ان الحس القومي والنشاط التحرري يبدأ مع دخول المجتمع الى المرحلة الرأسمالية حيث ان المرحلة الإقطاعية السابقة للرأسمالية هي مرحلة تجمعات قبلية وتجمعات وعشائرية أي مثل ما كانت معروفة في ايران، مرحلة "ملوك الطوائفية" أي مرحلة " الإيلات" حيث لكل قبيلة أو"إيل" سلطة على جغرافيتها، وهي مرحلة سلطة الشيوخ.

إلى جانب هذه الفكرة، كان الفكر الاشتراكي مبني على الانتقال الحتمي والطبيعي إلى الاشتراكية بعد الرأسمالية والى سلطة الطبقة العاملة، ولهذا كان شعاره دائما" يا عمال العالم اتحدوا" وكانت هذه الفكرة تعني ان الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية بمفهوم حكم العمال هو انتقال طبيعي حيث ان الرأسمالية والصناعات الكبرى ونظرا لحاجتها لعدد كبير من العمال، بقهرها للطبقة العاملة  والقوى المنتجة واستحواذها على القيمة المضافة، ستكون قد حفرت قبرها بيدها مما يعني ان الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية المتطورة ستكون هي الحاكمة مستقبلا بعد الرأسمالية وبعد ما تقضي على حكم الرأسمالية الجائر حسب الاستخلاص الفكري الاشتراكي أو الشيوعي.

اهتزت الى حد كبير هذه النظريات عند ما انتصرت الأيديولوجية الاشتراكية في روسية "النصف إقطاعية – نصف رأسمالية" - قبل بريطانيا المتطورة صناعيا والتي كانت متجاوزة تماما المرحلة الإقطاعية ومتقدمة جدا في تطورها الصناعي- بقيادة لينين وبقوة  مشتركة "للجنود والعمال والفلاحين"، وليس بقيادة عمالية فقط، وأيضا بعد انتصار الثورة الاشتراكية "المائووية" في الصين بقيادة الفلاحين وصغار البرجوازيين حيث لم توجد صناعة متطورة وطبقة عاملة صناعية مؤثرة في الصين،  كما انتصار الثورة الكوبية من العالم الثالث التي لم تمتلك مصانع كبرى أصلا وكانوا الفلاحين عمدة قوى الثورة فيها أو في أفضل الحالات هم عمال زراعيين.

إن طرحنا لهذه النظريات الاجتماعية والاقتصادية وما يخص منها موضوع الشعوب وحريتها كمقدمة، جاء ، من اجل ان تكون مدخلا مناسبا لموضوع استقلال الشعوب في الحقبتين الاجتماعيتين، الرأسمالية والاشتراكية والتي فشلتا كلاهما في حل المشكلة القومية وتذويبها وإيجاد البديل الديمقراطي الليبرالي الرأسمالي، أو الاشتراكي والعدالة الاجتماعية لها، حتى يتم القفز على الفكرة القومية والقضاء عليها بالنهاية.  اليوم وبعد مضي أكثر من خمسة مائة عام على الانتقال الى المرحلة الرأسمالية في العالم وبعد أكثر من 150 عام على التجربة الاشتراكية نظريا و100 عام عمليا، مازال نضال الشعوب القومي والتحرري مستمرا في القطبين وان اختلفت وتيرته على اختلاف الإيديولوجيات الحاكمة.

من جانب، المرحلة الاجتماعية الرأسمالية التي بدأت في بريطانيا، مازالت بعد خمسة قرون غير قادرة على القضاء على طموحات الشعوب في "المملكة المتحدة" حيث مازال وبعد ثلاثمائة عام من الاندماج الكامل، مازال الشعب الإسكاتلندي يبحث عن حريته، والنضال في شمال ايرلندا للاستقلال مستمرا، مع ان الشعبين يتمتعان بقدر كبير من الحرية ولهم حكمهم المحلي وبرلماناتهم و حتى عملتهم الخاصة بهم وفرق فوتبال اسكتلندا تشارك في أوروبا والعالم الى جانب انجلترا بأعلامها الوطنية الخاصة.  الى جانب بريطانيا، في أوروبا الشمالية هناك مساعي سياسية لبعض الأقاليم في الدنمرك  و السويد و النرويج إلى الاستقلال. 

من جانب آخر، الإتحاد السوفيتي وقياداته التاريخية الأولى مثل لينين وإستالين وبعدهم مع التغيير الذي حصل في الفكرة الاشتراكية ووجهة الإتحاد السوفييتي الاشتراكية في العهود بعد خروشجف المعروفة بفكرة" التطور الا رأسمالي"، لم يتمكن أي من الحقبتين الاشتراكيتين في الإتحاد السوفييتي من حل مسألة القوميات،  حيث من جهة اضطر لينين لقبول استقلال فنلندا وبولندا في بداية استقرار الاشتراكية كما واضطر إستالين إلى إبعاد مئات الآلاف من أبناء الشعوب في القوقاز الى سيبيريا بسبب نشاطهم القومي وبالنهاية اضطر غورباتشف على قبول تفكك الإتحاد السوفييتي واستقلال معظم شعوبها وبقيت بعضها رازحة لإحتلال روسية الإتحادية الفعلية وهي مستمرة بنضالها من فترة الحكم القيصري الإقطاعي مرورا بالحقبة الاشتراكية واليوم في فترة إعادة سلطة الرأسمالية على روسية الإتحادية.  إذا أضفنا لما جاء، استقلال مجموعة الشعوب التي كانت منضوية تحت راية يوغسلافيا الإتحادية الاشتراكية وآخرها استقلال كوسوفو القادم ومحاولات الشعب التبتي وغيره للاستقلال من الصين بعد 60 عام من الحكم الاشتراكي هناك، نرى بوضوح ان موضوع حرية الشعوب وضرورة استقلالها لا يرتبط بمرحلة اجتماعية مشخصة ولا بمدى الحقوق التي يحصل عليها أي شعب في ظل الاستعمار أو في ظل أي نظام إتحادي "غير طوعي" ، بل وتبقى الشعوب دائما تتطلع لنظامها وقرارها الوطني أولا قبل الحديث عن أي اتحاد.

نعم قد حصلت قفزة في حركة الشعوب باتجاه الاستقلال بشكل متسارع في عصر الرأسمالية وقد حصلت الشعوب على كثير من حقوقها في ظل الاشتراكية، لكن هذا لم يوقف نضال الشعوب للاستقلال الوطني في المراحل اللاحقة للتطور الاجتماعي سواء كان ذلك في داخل المجتمع الرأسمالي نفسه أو في انتقاله الى الاشتراكية وفي ظل حكمها الأكثر عدالة. مضاف إلى هذا وذاك، في الإتحاد الأوروبي اليوم من شمال ايطاليا إلى إقليم ألباسك  في إسبانيا مرورا بأيرلندا الشمالية واسكتلندا في بريطانيا وصولا إلى الفلامينكو في شمال بلجيكا وكوسوفو في يوغسلافيا، وفي بعض الدول الأخرى في القارة ، بعض الشعوب أعلنت رفضها للتوحيد في البلدان التي تنتمي إليها دون ان ترفض قبول الاندماج في الإتحاد الأوروبي حيث أرادوا ان يدخلوا الإتحاد الأوروبي بتمثيل وطني وباسم شعبهم وليس بإسم الدول الاستعمارية أو بإسم بلد آخر غطى على هويتهم القومية  وان قبلت الشعوب العيش المشترك في حقبة من الزمان لظروف خاصة مع شعوب أخرى في ذلك البلد. كما وان هناك شرط للإتحاد الأوروبي لقبول تركية عضوا في الإتحاد الأوروبي وهذا الشرط هو إعطاء الأكراد في تركية حقهم قبل الدخول في الإتحاد. 

ما جاء يثبت بقوة ان واقع نضال الشعوب من اجل الوصول الى الإستقلال الوطني خلال قرون وفي مختلف القارات، يثبت ان كل النظريات الإجتماعية والسياسية فشلت في توحيد الشعوب وتذويب هوية أي شعب في هوية أخرى بالقوة، حيث لا مقريات الحرية الفردية والاجتماعية النسبية والديمقراطية عند الرأسمالية ولا العدالة الإجتماعية وقيادة الطبقات المحرومة للمجتمع في المجتمع الاشتراكي، لم تتمكنا من تتوق نضال الشعوب للإستقلال. مستثنى من هذه القاعدة القبائل السابقة لمرحلة الرأسمالية خصوصا في افريقيا وامريكا اللاتينية بالإضافة الى التجمعات الأثينية المهاجرة على انفراد، حيث تبقى هذه العائلات والتجمعات الصغيرة عرضة للذوبان في الهجرة ويجب عليها الاندماج في المجتمع الذي تنضم إليه طوعا مثل ما حصل في أمريكا الشمالية وكندا واستراليا حيث انصهرت العائلات المهاجرة ومن كل القارات في ثقافة مشتركة سميت أمريكية أو كندية أو استرالية مع الحفاظ على بعض مكوناتها الثقافية، مع الأخذ بالحسبان ان في هذه الدول ليس هناك شعبا يستعمر شعب آخر، ومجموع هذه التجمعات هي التي شكلت الشعب الأمريكي والكندي والأسترالي.

هل في النهاية ما نقلناه عن فشل الأيديولوجيات الإجتماعية المطروحة في حل المسألة القومية، يضطر  علماء علم الاجتماع الى إعادة النظر في صياغة النظريات الموجودة في ما يخص حقوق الشعوب ونضال الشعوب التحرري؟ إذا كان الإتحاد الأوروبي يسير باتجاه التوحيد، لماذا إذا يسمح بضرورة وصول الأكراد في تركية والكوسوفيين في يوغسلافيا الى حقوقهم قبل قبول هاتين الدولتين أعضاء في الإتحاد؟ أليس هذا دليلا كافيا لضرورة الوقوف عند حقوق الشعوب ومساندتها قبل ان نفكر بالإتحاد بكل أشكاله الفدرالية والاتحادية وغيرها؟ أهناك اتحادا نافعا للشعوب أكثر من الإتحاد الأوروبي الذي يحفظ للدول الأعضاء والشعوب فيها كافة حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى قراراتها في الحرب والسلم؟ إذا لماذا يرى الإتحاد قبول الشعوب هو الضرورة في هذه الوحدة قبل دخولها برأي قياداتها السياسية المنتخبة في الإتحاد؟   الواقع ان الشعوب في الإتحاد الأوروبي الذي وصل عدد أعضائه 26 دولة متحدة في إطار قانوني واحد، ومع كل التطور الاجتماعي والثقافي وحتى الأثيني الذي مرت به هذه الشعوب خلال قرون، ض ومع فترة الأعوام الطويلة التي مرت عليهم وهم جزء من كيان مختلط أو اتحادي بالنسبة لهم ومع كل ما أعطوا من فرصة للمشاركة في كافة القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية في البلدان التي ينتمون لها فعليا، مازالوا لم ينسوا ضرورة استقلالهم ولم يصرفوا النظر عن حقهم في التحرر واستقلالها السياسي قبل التفكير بوحدتهم مع الشعوب الأخرى دون ان يكونوا رافضين للوحدة،  لا بل وأصرت هذه الشعوب على هذه الوحدة وأعطت رأيها لها!  هذه التجربة وان تتبين انها حديثة في نضال الشعوب لكنها ليس غريبة، نظرا لما أثبتته التجارب في حركة الشعوب عن ضرورة مرور حركتهم التكاملية بكافة مراحل تطورها بما فيه حق الشعب في تقرير مصيره، وهذا من اجل تكامل خصوصياتها القومية والتاريخية ورفع مستوى فرصها في التقدم والنمو في ظل الاستقلال الوطني والقومي ومن اجل الوصول الى القرار والرأي المستقل.

ما جاء،  فيه ما يكفي من البراهين للدلالة القوية على أن القفز على استقلال الشعوب وحريتها وفي أي مرحلة اجتماعية لا يضمن لتلك المرحلة سيرا طبيعيا مهما حملت تلك المرحلة من نظريات إنسانية وضمنت من حقوق مدنية تلبي معظم طموحات الشعوب وخصوصا المحرومين، حيث الانضمام ألقسري والاحتلال للشعوب لا يمكن إزالة آثاره الإنسانية والأخلاقية إلا بوصول الشعوب الى حقوقها الوطنية مما يعني ان لا غنى عن استقلال الشعوب في أي مرحلة اجتماعية وتاريخية، وان استقلال الشعوب هو جزء من التكامل التاريخي لها ولكل الشعوب الحق ان تناضل من اجل حريتها وإن قصدت الوحدة بعد ذلك مباشرة لكن طوعا!. هذا ما يحصل اليوم في أوروبا الموحدة، حيث في الوقت الذي تتحد فيه الشعوب لبناء الدولة الأوروبية الواحدة، مازالت بعض من هذه الشعوب تناضل من اجل استقلالها مع قبولها بالإتحاد والتصويت له لكن تريده الشعوب هذه ان يكون بتمثيل وطني وقومي!

 

محمود أحمد الأحوازي

‏2007‏-12‏-20